على مدى أكثر من ستة أشهر، لم تستطع السعودية، بكل ما أوتيت من وسائل الترغيب والترهيب، أن تمحو صورة اللواء عيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، ضمن مساعيها للتخلص من رمزيته والحد من تأثيره في الشارع الجنوبي، الذي لا يزال ينظر إليه باعتباره المرجعية السياسية المفوضة من قبل قطاع واسع من الجنوبيين لحمل قضيتهم السياسية.
ومنذ قصف قوات المجلس الانتقالي بالطيران السعودي في مطلع يناير الماضي بمحافظة حضرموت، وما ترتب على ذلك من إجراءات سعودية، وإن جاءت عبر الحكومة اليمنية ومجلس القيادة الرئاسي، وفي مقدمتها إسقاط عضوية الزبيدي من مجلس القيادة، وإحالته إلى المحاكمة بتهمة ارتكاب الخيانة العظمى، ثم ما قيل إنه قرار بحل المجلس الانتقالي من قبل قيادات محسوبة عليه تقيم في الرياض، رغم تأكيد قيادة المجلس أن تلك الشخصيات غير مفوضة ولا تمتلك أي صفة قانونية أو تنظيمية تخولها إصدار قرار من هذا النوع، بالإضافة إلى قرارات إغلاق مقرات المجلس في المحافظات الجنوبية والشرقية، إلا أن جميع هذه الإجراءات فشلت، بحسب أنصار المجلس، في تفتيت المجلس أو عزل قيادته عن الجماهير التي ظلت وفية له، ترفع صور الزبيدي في المظاهرات وتهتف باسمه.
واتهم المجلس الانتقالي، عبر بيانات أصدرها في مناسبات مختلفة، إلى جانب تصريحات عدد من أبرز قياداته، السعودية باستخدام القضاء والحكومة اليمنية، عبر التأثير على قراراتها، لاستصدار أوامر من النيابة العامة بملاحقة عدد من قيادات المجلس، لا سيما تلك التي كُلفت بإدارة نشاطه التنظيمي والجماهيري، وفي مقدمتهم وضاح الحالمي وشكري باعلي، وغيرهما من القيادات الميدانية التي استطاعت، وفق المجلس، لمّ شمل صفوفه والحفاظ على تماسكه رغم التحديات غير المسبوقة التي واجهها منذ تأسيسه عام 2017.
ويُنظر إلى تركيز السعودية على استهداف الزبيدي باعتباره تعبيراً عن فشلها في تحقيق هدفها، بعد أن استنفدت، بحسب هذا الرأي، مختلف الأدوات السياسية والقانونية والعسكرية للضغط على قيادة المجلس من أجل عزل الزبيدي أو الدفع نحو اختيار بديل له، لكنها لم تنجح في ذلك.
وفي المقابل، يرى مؤيدو المجلس أن الزبيدي يمثل رمزية سياسية يصعب تطويعها، إذ عُرف بمواقفه الصلبة وشخصيته العنيدة، وتجلى ذلك، بحسب وصفهم، في رفضه لخارطة الطريق السعودية التي تفاوضت عليها الرياض مع جماعة الحوثي على مدى أكثر من ثلاث سنوات، برعاية وتسهيل من سلطنة عمان، والتي يُراد من خلالها، وفق منتقديها، التسليم بالأمر الواقع الذي فرضته الجماعة، وتسخير موارد النفط لتمويل فاتورة الرواتب التي تعهدت السعودية بدفعها للحوثيين، والبالغة ملياراً وثلاثمائة مليون دولار تُصرف على دفعتين.
وكان المجلس الانتقالي، بقيادة الزبيدي، المكون اليمني الوحيد الذي أعلن رفضه لهذه الخطة، واعتبر ما تعرض له في حضرموت جزءاً من الإجراءات السعودية الهادفة إلى إضعافه ودفعه للقبول بالأمر الواقع، خصوصاً مع وجود تسريبات تحدثت عن مطالبة الحوثيين للسعودية بإجبار المجلس الانتقالي على الموافقة، باعتباره القوة العسكرية الأكثر تماسكاً، إلى جانب كونه رقماً سياسياً مؤثراً في المعادلة الداخلية.
ويقول مراقبون إن المملكة قد لا تستهدف الزبيدي أو المجلس الانتقالي بسبب مطالبتهما بالانفصال أو ما يصفانه بحق تقرير المصير، بقدر ما تستهدفهما بسبب رفض الزبيدي أن يكون أداة لتنفيذ الإملاءات السعودية، إلى جانب رفضه الاستجابة لدعوة الرياض للحضور إليها في مطلع يناير الماضي، وهو ما دفع وسائل إعلام سعودية، إلى جانب المتحدث العسكري باسم التحالف الذي تقوده المملكة، إلى اتهامه بالهروب من عدن.
وعقب تلك التطورات، غادر الزبيدي إلى جمهورية أرض الصومال، قبل أن ينتقل منها إلى دولة الإمارات.
ورغم تغييبه عن المشهد منذ يناير الماضي، يرى أنصار المجلس أنه أثبت أنه رقم صعب في المعادلة الجنوبية، وشخصية قيادية يصعب تجاوزها، إذ لا يزال، بحسب تقديرهم، الفاعل الأكثر تأثيراً داخل المجلس الانتقالي، فيما تدين له معظم القيادات المؤثرة بالولاء الكامل، الأمر الذي حال دون نجاح محاولات عزله أو صناعة بديل يحظى بذات الحضور والتأثير.







