مستنقع الحسابات الخاطئة: كيف علقت السعودية في معضلة اليمن وتبددت رهاناتها في الجنوب؟

14 يوليو 2026آخر تحديث :
مستنقع الحسابات الخاطئة: كيف علقت السعودية في معضلة اليمن وتبددت رهاناتها في الجنوب؟

انطلقت العمليات العسكرية للتحالف بقيادة السعودية في ربيع عام ألفين وخمسة عشر تحت شعارات حاسمة تعد بإعادة الأمور إلى نصابها خلال أسابيع معدودة، غير أن السنوات الطويلة التي تلت ذلك التدخل كشفت عن فجوة هائلة بين التقديرات الاستراتيجية والواقع المعقد على الأرض. ومع مرور الوقت، تحول هذا التدخل من عملية خاطفة لترتيب الأوراق السياسية والعسكرية إلى مستنقع استنزاف مالي وعسكري وسياسي كبير للمملكة، بينما وجد الشعب اليمني نفسه ضحية لسياسات وتدخلات فاقمت من معاناته الإنسانية والاقتصادية، وأوصلت الجميع في نهاية المطاف إلى قناعة تامة بعدم جدوى هذه الحروب التي باتت توصف على نطاق واسع بأنها عبثية ولا تخدم سوى مصالح ضيقة على حساب السيادة والاستقرار.

في خضم هذا المشهد المعقد، برزت القضية الجنوبية كأحد أكثر الملفات دلالة على تخبط السياسات الإقليمية وتناقضاتها؛ حيث تعاملت الرياض مع الجنوب بمنطق التهدئة المؤقتة وإدارة الأزمات بدلاً من تقديم حلول جذرية تحترم تطلعات أبناء المحافظات الجنوبية وحقهم في تقرير مصيرهم. لقد سعت السياسة السعودية إلى محاولة ترويض القوى الجنوبية الحية، تارة عبر إدماجها القسري في هياكل سلطة هشة ومفككة، وتارة أخرى عبر دعم كيانات موازية لخلق توازنات تضمن للمملكة اليد الطولى في توجيه القرار السياسي والأمني هناك. هذا الأسلوب أدى إلى إنتاج حالة من الشلل المؤسسي والخدمي غير المسبوق في عدن وبقية المحافظات الجنوبية، حيث تدهورت العملة المحلية بشكل كارثي، وانهارت الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه، وتحولت مدن الجنوب إلى ساحات لتصفية الحسابات السياسية وتوزيع النفوذ الإقليمي.

تسببت هذه السياسات في اهتزاز الثقة الشعبية بالتحالف بشكل عام وبالسعودية بشكل خاص، حيث تولدت قناعة راسخة لدى الشارع الجنوبي بأن حلفاء الأمس لم يكترثوا بحجم التضحيات التي قدمها الجنوبيون في مواجهة الحوثيين، بل جرى استخدام قضيتهم العادلة كمجرد ورقة مقايضة في مساومات إقليمية ودولية. هذا التهميش المتعمد والمحاولات المستمرة لتفتيت الجبهة الداخلية في الجنوب من خلال تغذية الصراعات البينية أظهرا بوضوح أن الإستراتيجية المتبعة كانت تهدف إلى إبقاء الجنوب في حالة ضعف دائم لسهولة السيطرة على ممراته المائية الحيوية وموانئه الإستراتيجية وثرواته النفطية، عوضاً عن تمكينه من إدارة شؤونه وبناء مؤسساته.

أمام هذا الواقع الأليم، تشكل وعي جمعي عابر للجغرافيا والمكونات السياسية يطالب بضرورة الوقف الفوري لهذه التدخلات العبثية التي مزقت النسيج الاجتماعي ودمرت مقدرات البلاد شمالاً وجنوباً. وبات اليمنيون اليوم على قناعة تامة بأن المخرج الحقيقي من هذه المعضلة لن يكون عبر صفقات تفرضها القوى الإقليمية لحماية مصالحها الخاصة، بل عبر رفع يد الوصاية الخارجية وتمكين أصحاب الأرض من صياغة مستقبلهم بأنفسهم. إن استمرار ترحيل القضية الجنوبية ومحاولة القفز عليها في مسارات التسوية لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الحروب ودورات العنف، ما يجعل الاعتراف بخصوصية هذه القضية ومظلوميتها، والتعاطي معها بندية ومسؤولية، المدخل الأساسي لإنهاء هذه المعضلة الطويلة وإعادة السلام الحقيقي لليمن وجيرانه.

 

 

الاخبار العاجلة